كيف أكون مسلمًا

التقديم
«كيف تكون مسلمًا؟»
سؤال قادني إلى وقفة تفكّر طويلة، بقدر ما أثار لديّ التساؤل والدهشة! …
هل ثمّة حاجة حقًا لطرح مثل هذا السؤال، والخوض في البحث عن الإجابة عليه، بعد أن عبر الإسلام أربعة عشر قرنًا من عمره الهجري؟
ما خطر ببالي يومًا، أن يُقدم الصديق الباحث «أسامة أبو شقرا»، التنويري الإسلامي الموسوعي، المؤمن بكل جوارحه، على طرح مثل هذه المسألة المدماكية، المتعلّقة بالبنية الأساسية، التي ارتفع عليها الدين الإسلامي، بعد أن خاض غمار القضايا المتعمقّة في شؤون الإسلام، وعالج أبعادها الإيمانية الواسعة، ولم يترك منها شاردة أو واردة، بهدف تنقية هذا الدين، مما داخله من شوائب وتشوّهات، ومسحِ ما أُلصق بجوهره من زيف وتقوّلات وتخرّصات، وعمّر المكتبة الإسلامية بمؤلفاته البحثية الشاملة، من «دليل الموضوعات، إلى المسيح في القرآن، إلى الاقتصاد في القرآن»، ومن دون أن يتردّد باقتحامه الجريء، لطرح أبرز المسائل المثيرة للجدل والنقاش، في كتبه «الجهاد في القرآن، وحوار شيخين في الإسلام، وأحاديث الرسول ﷺ بين الصحيح والمنحول، وصفوة أحاديث الرسول ﷺ»، إضافة إلى سائر كتبه التاريخية والأدبية والقصصية، التي لم تبتعد ولم تخل في أي سطر من سطورها، من منهاجه الإرشادي التوعوي، الهادئ والموضوعي، الهادف أولًا وأخيرًا، إلى إشاعة روح السلام النفسي والاجتماعي.
فماذا كان بعد هذه الوقفة التبصّرية؟
تأملت في ما آلت إليه حال الإسلام والمسلمين اليوم – بعد أكثر من ألف وأربعمائة عام على انبثاق فجر الإسلام والبعثة النبوية المحمدية، من عجز وتفتّت وفتن وتقاتل ومتاجرة باسم الإسلام، بسبب تجاهلهم للمبادئ الرئيسية التي قام عليها هذا الدين الحنيف، وتعلّقهم بالقشور والمزيّفات والأضاليل، وعلى الرغم مما تزدحم به المراكز الدينية والمؤسسات البحثية والمكتبات ودور الإفتاء، من عشرات آلاف المؤلفات والمراجع والبحوث، وكتب التفاسير والأحاديث والتاريخ والقصص…التي لم تترك شأنًا من شؤون الدين الإسلامي وعلومه، عقيدة وشريعة وتعاليم ونظامًا وقانونًا وسلوكًا وأخلاقًا وعلاقات.
ورصدتُ، في جولة خاطفة، ما يسود العالم أجمع، وهو يتجاوز الربع الأول من القرن الحادي والعشرين الميلادي، من اضطرابات في القيم والأخلاق، وتهديم لمفاهيم الحريات والحقوق، وحروب ومآس وكوارث، وما حلّ بأعرق ثقافات وحضارات العالم، التي تعاني احتضارًا وهلاكًا، بعد أن جاهدت لانتشال البشرية من ترابيتها وغرائزها الوحشية.
وسرعان ما أدركت، صحة العودة إلى المربع الأول في أصول الكينونة الإسلامية، وإلى تلقين الألفبائية الأولى للغة الإيمان وثقافة الإسلام، وإعادة تجديد الإجابات، المضيئة والهادية، على السؤال الكبير «كيف تكون مسلمًا؟»، والرامية إلى إعادة التوازن إلى أركان الإيمان والإسلام معًا، بعد أن تعرّضت إلى تخلخلات جذرية تهدّد بتداعي ما بقي منها صامدًا، من أسس وثوابت.
وكأنني بالباحث يعود بنا إلى نقطة الصفر، وخط البدايات الأول لهذا الحدث الإيماني، الذي بدّل مفهوم الإنسانية بالناس، وأشاد أعظم وأرقى وأكبر حضارات العالم.
وحضرني شاهدان يجيبان تمامًا على صوابية الباحث بالرجوع إلى النبع الأصلي، والدعوة لاعتماده كعبة للمؤمنين جميعًا، وهو كلام الله سبحانه وتعالى، الذي أنزله في قرآنه الكريم:{وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.} (فصِّلت 42:41).
يتمثّل الشاهد الأول، في قوله تعالى في سورة الحجرات الآية (14): {قالت الأعراب آمنّا قلْ لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولمّا يدخل الإيمان في قلوبكم وأن تطيعوا الله ورسوله لا يلِتْكم من أعمالكم شيئًا إن الله غفور رحيم.}
ولو أنعمنا النظر مليًّا في هذه الآية الكريمة، التي نزلت في بدايات الدعوة الإسلامية، لأخَذَنا الظنّ أنها لا تخاطب أولئك الأعراب من بني أسد فقط، كما جاء في كتب التفاسير، إنما تتوجّه إلى أغلب المسلمين اليوم، الذين يعلنون الانتماء إلى الإسلام، ويصدّقون الله ورسوله، من خارج شفاههم وألسنتهم، وليس من أعماق قلوبهم وعقولهم، إذ إنهم لا يتخلون عن عادات الجاهلية، ولا يتورّعون عن القيام بارتكاب الفواحش والمحرّمات.
ففي هذه الآية تتجلّى معاني الإيمان الصادق النقيّ، الذي يرتقي إلى سدّة العمل فوق مراتب الكلام والإشهار. لأن إعلان اعتناق الإسلام يقتصر على القول، إنما تطبيق مبادئ الإيمان، والتزام الحدود والشروط، والحرص على موجبات التقوى، في السلوك والعلاقات والمعاملات، هي التي تصوغ كيان المؤمن الحقيقي، وحضوره في أسرته ومجتمعه، وهي معيار المكافأة والثواب وحسن الختام.
أما الشاهد الثاني، فهو ما صرّح به الإمام الأزهري المصري، الشيخ «محمد عبده»، في ثمانينيات القرن الماضي، بعد أن قام من منفاه في بيروت، بزيارة فرنسا مرات عديدة، تلبية لرغبة أستاذه «جمال الدين الأفغاني»، وفي أعقاب حضوره لأحد المؤتمرات هناك، حيث قال: «في الغرب رأيت إسلامًا ولم أجد مسلمين، ولما عدتُ وجدت مسلمين ولم أجد إسلامًا.»
مما لا شك فيه أن مقولة الإمام «عبده» هذه، تعبّر عن مجموعة من القضايا والمظاهر، منها:
– الفجوة والتناقض بين المبادئ والقيم الإسلامية، وبين سلوكيات وتصرفات بعض المسلمين، خاصة في الغرب، حيث يرى البعض أن قيم الإسلام من عدالة ونظام وقانون، تتجسّد في سلوكيات غير المسلمين، بينما لا يجدونها في سلوكيات بعض المسلمين في الشرق.
– ومنها توجيه النقد، ودعوة المسلمين لمراجعة أسلوب تطبيق تعاليم الإسلام في علاقاتهم وحياتهم اليومية، وإصلاحه بهدف تحقيق قيم الإسلام في الواقع، وليس في الشعارات والمظاهر فحسب.
ومن هنا، يمكننا أن ندرك منهاج الله في خلقه، إذ خصّص أكثر من ثلاثة أرباع السور القرآنية لبيان العقيدة وتقريرها والاحتجاج لها، وضرب الأمثال وعرض القصص لتثبيتها، كما تتحدث عن القيم الدينية والأخلاقية، وهي ما يعرف بالسور المكية، التي نزلت قبل هجرة النبي الكريم ﷺ إلى المدينة. وما تبقى جعله للسور المدنية بعد الهجرة في المدينة المنورة، وتتناول أمور التشريعات والمعاملات والأحكام والحلال والحرام.
وخلاصة القول، فإننا نؤكّد – أمام ما نشهده من انحراف وتراجع عن منهاج الله سبحانه، وعن شيوع الفاحشة والضلالة – حاجتنا الماسّة إلى مثل هذا الخطاب الإرشادي الهادئ والموضوعي والمعتدل والرصين، وليس بالإكراه والترهيب، من أجل إعادة الروح لهذا الدين الحنيف، الذي أفرغ من محتواه السامي والنبيل، وتحوّل إلى شعارات تحدٍ وفرق وشيع وأحزاب متنافرة ومتناحرة، وأضاع صوت الله في النفوس والعقول والأفئدة.
«كيف تكون مسلمًا؟»
جاء على لسان باحث حصيف، جنّد حياته وفكره وقلمه لخدمة دينه الحنيف، ليس بكونه مسلمًا بالوراثة أو بالهوية، إنما بما هو مسلم مؤمن بالعقل والمنطق ونور الإيمان الذي يفيض من قلبه، وينتشر شلّالًا يضيء سبيل الهداية والرشد.
وهو كتاب في صلب دعوات الباحث «أبو شقرا» الملحّة دومًا، على مبدأ كيف تكون مؤمنًا، وكيف نقدّم الإسلام بصورته النقية الهادفة إلى خير الإنسانية وصلاحها، ويكافح من دون هوادة، لرفع كلمة الله، والعودة بنا إلى منابع عهد النبوة الرشيد.
إنها رسالة باحث تجلّى إيمانه في مسيرته الطويلة ومؤلفاته التي تنهل من مبادئ الإيمان الواعي السليم، والانفتاح على كل الرسالات والأنبياء وفلاسفة الحكمة والفضيلة، من دون تعصّب أو تزمّت.
ليس المهم أن تكون مسلما بالإعلان، بل بالعقل وبالقلب، وأن تطبيق الموجبات الدينية، مهما بلغتَ في الحرص عليها، لا تجعلكَ مؤمنًا صحيحًا، إذا لم ترفعك إلى المرتبة الإنسانية، لتتمكن من ترجمتها في أفعالك وسلوكك وعلاقاتك. فالله سبحانه وتعالى ليس بحاجة لصلاتك وصيامك ومكوثك النهار والليل في المساجد، إنما يدفعك إلى الإيمان، ليرتفع بك إلى المراتب التي كرّمك بها وفضّلك على سائر مخلوقاته.
د. علي منير حرب
آب / أغسطس 2025
